
توفيّ والد سلمى، 50 عاماً، (اسم مستعار حسب طلب المرأة) تاركاً بيتاً وبعض الأراضي الزراعية في ريف السويداء. جاءها إخوتها الذكور بعد مدة، لتقديم “اتفاقية تنازل” عن حصتها بالإرث جاهزة للتوقيع. قالوا لها: ميراث البنات عندنا للذكور، وليس للغريب أن يرث (قاصدين صهرهم) وهذا عرف آبائنا وأجدادن”. اختارت سلمى الصمت، وتنازلت عن حقها خوفاً من العزلة والوصم الاجتماعي.
وعلى بعد بضعة كيلومترات، في قرية مجاورة، توفي والد سارة.ح في ظروف مماثلة. لكنّ أباها، قبل وفاته، أوصى شيخ قريتها كتابياً وبشهادة شهود: (لابنتي سارة مثل ولدي أحمد في الميراث، حصةً بحصّة). نفّذ المشايخ الوصية، وحصلت سارة على حقها كاملاً.
قصتا سلمى وسارة تلخصان المعادلة الأكثر تعقيداً في مجتمعاتنا؛ صراع بين قانون مذهبي ودين يضمن الحق، وعرف يسلبها. بين نص ديني يعلي من شأنها، وتأويل اجتماعي يحصرها في أدوار تقليدية. في محافظة السويداء ذات الطبيعة الاجتماعية والدينية الخاصة، تتجلى هذه المعادلة بوضوح أكبر، حيث يُفترض أن يكون قانون الأحوال الشخصية للطائفة الدرزية أكثر إنصافاً للمرأة، لكنه يصطدام غالباً بعرف اجتماعي متجذر.
الإطار القانوني: حقوق مكفولة… ولكن على الورق فقط!!
تنص المادة ٢٥ من الدستور السوري المعمول به فب السويداء على أن “المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات”، كما يمنح قانون الأحوال الشخصية والقانون الخاص بالمذهب الدرزي حقوقاً في الميراث والزواج والطلاق والحضانة والعمل. المحامية والناشطة “رغد رعد” توضح في حديث لـ #الراصد “المشكلة ليست في غياب النصوص، بل في غياب آليات التطبيق والمحاسبة. المرأة قادرة قانونياً على اللجوء للقضاء، لكن البيئة الاجتماعية تجعل هذا الخيار مكلفاً نفسياً وعائلياً”.
أما السؤال الجوهري فهو: أين تبدأ الفجوة بين النص والتطبيق؟ وهنا تجيب”ديما منذر” المتطوعةوفي إحدى المنظمات المدنية: أن الفجوة “تبدأ من لحظة ولادة الأنثى. ففي الوعي الجمعي، تُربّى الفتاة على أن حقها مشروط بموافقة الذكور في العائلة، سواء في التعليم أو العمل أو الميراث أو حتى اختيار شريك الحياة”.
الإرث: محك العدالة الحقيقي.
تُعتبر قضية الإرث الاختبار الأصعب لحقوق المرأة في سوريا عموماً وفي السويداء خصوصاً. فالمذهب الدرزي الذي يساوي بين المرأة والرجل في الميراث في حالات كثيرة (كالإرث من الأب للأبناء بغض النظر عن الجنس إذا أوصى بذلك)، يصطدم بعرف سائد يجعل ميراث النساء “أشبه بالعار” على الرجال الذين يتقاسمونه. ففي المذهب الدرزي، كما أوضح الشيخ أبو سامر حسن الحسين، “فالمرأة ليست كائناً تابعاً، وهي قادرة على الوصول إلى مرتبة العقل والمشاركة في الحياة الدينية”. والنصوص الدينية واضحة، كما يشير إلى أن دعاة المذهب ومنهم الأمير عبدالله التنوخي أشار إلى أنه “على الدرزي أن يساوي زوجته بنفسه في كل ما يملك”. لكن التطبيق مختلف.
وتوضح “ديما منذر”: “كثير من النساء يتنازلن عن حقهن تحت ضغط الأسرة. يُخيّرن بين حقهن وبين الانتماء للعائلة. وغالباً ما يخترن العائلة، لأن المطالبة تعني العزلة والاتهام بتمزيق اللحمة الأسرية”. وحتى بعض الآليات مثل “غرفة المقاطيع” (وهي حصة من الميراث تمنح للمرأة للانتفاع دون التصرف) تُستخدم – برأي المحامية رعد – كـ “تحايل قانوني مشروع شكلاً، لكنه مجحف جوهراً، لأنه يحرمها من حق التملك الكامل”.
ما وراء الميراث: الزواج، الطلاق، العمل… وحقوق مهدرة.
لا تقتصر الهوة على الميراث، بل تمتد إلى مجالات الحياة كافة؛ كالزواج والطلاق؛ فرغم منع تعدد الزوجات في القانون الدرزي ومنح المرأة حق طلب التفريق في حالات الظلم، يبقى الطلاق وصمة تلاحق المرأة أكثر من الرجل. تقول سلمى.د (امرأة مطلقة) لـ #الراصد : “القانون أنصفني، لكن المجتمع لم يفعل. حتى بعد حصولي على حقي، يُنظر إليّ كامرأة “ناقصة أو فاشلة وتصبح فرص الزواج شبه معدومة حتى لو كانت المرأة شابة خاصة إذا كانت أم لأطفال”.
العمل والحياة العامة
يقبل المجتمع في السويداء عمل المرأة، خاصة في الظروف الاقتصادية الصعبة، لكن هذا القبول يكون مشروطاً. وتوضح منذر: “مشروط بعدم كسر الخطوط الحمراء المرتبطة بالسمعة، كالسفر إلا في حالات نادرة أو العمل لأوقات متأخرة”. وهنا ترى العمل ليس حقاً مكفولاً بكرامة، بل “تساهل” اجتماعي له ضوابطه.
لماذا ينتصر العرف على القانون؟ تحليل الفجوة.
ترى الناشطة المدنية ريم الحلبي أنه من أبرز عوامل انتصار العرف على القانون هو ضعف الوعي القانوني لأن كثير من النساء، خاصة في الريف، لا يعرفن حقوقهن القانونية بدقة. فمصادر المعرفة غالباً ما تكون العائلة أو الأصدقاء، وليس المؤسسات الرسمية أو المنظمات المدنية. وكذلك ترد ذلك إلى سلطة العائلة والعشيرة؛ حيث أن الضغط النفسي والمعنوي هما أقوى سلاحين. فكرة “الستر” و”سمعة العائلة” تُستخدمان كأداة لقمع أي محاولة للمطالبة بالحق. كما أن اللجوء للقضاء يعتبر “تشهيراً” بالعائلة وخروجاً على الثوابت.
فيما يلجأ الشيخ الحسين إلى تبرير ذلك بالخطاب الديني والاجتماعي المزدوج؛ موضحاً أن الغالبية تستخدم النصوص الدينية بشكل انتقائي. مؤكداً أن “العرف أحيانا يُستخدم بشكل انتقائي لتبرير ممارسات لا تنسجم مع جوهر الدين”. بينما يغيب الخطاب الديني الداعم لحقوق المرأة بشكل عملي ومجتمعي واسع.
أما الحلبي فترى أن غياب الحماية الفعلية؛ حتى عندما تقدم المرأة على المطالبة بحقها قانونياً، فتواجه بعقبات إجرائية واجتماعية هائلة، وقد تتعرض للنبذ. لأن الحماية القانونية النظرية لا تُترجم إلى شبكة أمان اجتماعي تمكنها من الخروج من دائرة العرف.
نحو جسر الهوة.
وتلخص الحلبي بأن التحدي في سوريا والسويداء ليس تشريعياً في جوهره، بل “ثقافي واجتماعي”. لأن شرعية القانون في أذهان كثيرين أقل من شرعية العرف.
وترى أن الإجراءات المطلوبة كي تنال المرأة حقوقها يلزمها
توعية قانونية مكثفة عبر وسائل الإعلام المحلية وورش العمل في المناطق الريفية، ويجب أن تستهدف النساء والرجال معاً، لتوضيح الحقوق والواجبات. كما يجب تمكين المؤسسات المدنية والقانونية التي تقدم الاستشارات القانونية المجانية والمساندة النفسية للنساء. إضافة لتفعيل دور الخطاب الديني الإصلاحي وتشجيع رجال الدين والمؤثرين الاجتماعيين على شرح النصوص الدينية الداعمة لكرامة المرأة وحقوقها، ومواجهة التفسيرات المغلوطة. والأهم من كل ذلك تعديل بعض الثغرات الإجرائية كتسهيل إجراءات التقاضي للمرأة وتوفير ضمانات أكثر لحمايتها من الضغوط العائلية أثناء النظر في قضاياها.
وتختتم الناشطة؛ إنه “إذا طُبّقت القوانين بالكامل، فستكون النساء مالكات لقوتهن الاقتصادية، فاعلات في اختياراتهن الحياتية، شريكات حقيقيات في بناء المجتمع، لا مجرد وصيفات على هامش القرار. عندها فقط، تتحول المساواة من حبر على وثيقة إلى واقع تعيشه بناتنا وأمهاتنا”.



