تقارير
أخر الأخبار

بين الغلاء والنزوح وتراجع الدخل.. كيف تعيش أسر السويداء؟

الراصد- غيداء الصفدي

لم يكن الأستاذ «مطيع» (اسم مستعار بناءً على طلبه) يتخيل أن تنتهي به سنوات عمله في التعليم إلى الوقوف بائعاً متجولاً أمام مواقف حافلات النقل «السرافيس»، حاملاً العلكة والقداحات بحثاً عن دخل يؤمّن به احتياجات أبنائه الثلاثة. فبعد نحو 17 عاماً قضاها مدرساً في إحدى مدارس قرى اللوا، قبل أحداث تموز 2025، التي قلبت حياته رأساً على عقب.
نزح مطيع وفقد منزله وأرضه، كما تعذر صرف راتبه في موعده نتيجة فقدانه أوراقه الثبوتية. ومع تضاؤل فرص العمل في المدارس الخاصة داخل السويداء، وجد نفسه مضطراً إلى التخلي عن مهنته والبحث عن أي عمل يوفر له دخلاً، حتى لو كان بعيداً تماماً عن مسيرته المهنية.
يقول مطيع في حديثه مع #الراصد: “وجدت نفسي عاجزاً عن تأمين لقمة العيش لأبنائي الثلاثة، ولم أجد فرصة في المدارس الخاصة، مما اضطرني لبيع العلكة والقداحات أمام مواقف حافلات النقل. كنت مكرماً في بيتي، لكن الجوع كافر ولا يرحم”.

ولا يعتبر مطيع بيع العلكة والقداحات عملاً يعيب صاحبه، لكنه يقول إن ما يؤلمه هي الظروف التي دفعته إلى هذا الخيار، بعد سنوات أمضاها مدرساً، يعيش من خلال عمله بكرامة واستقرار.

قصة مطيع لا تبدو حالة فردية في السويداء. فمع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة وتقلص فرص العمل، يجد أصحاب مهن ووظائف مختلفة أنفسهم أمام خيارات اقتصادية أكثر صعوبة، فيما تحولت البسطات والأعمال اليومية إلى مصدر دخل لعدد من الأشخاص الذين لم تكن هذه الأعمال جزءاً من مسارهم المهني سابقاً.
وتظهر على منصات التواصل الاجتماعي إعلانات لشباب وربات منازل يبحثون عن أي فرصة عمل، مهما كانت طبيعتها، مقابل دخل يساعدهم على تغطية الاحتياجات الأساسية. وفي الوقت نفسه، انتشرت البسطات العشوائية في الشوارع، باعتبارها خياراً متاحاً لمن لم يعد دخله التقليدي كافياً.

من العمل إلى البحث عن لقمة العيش

تواجه مدينة السويداء وأريافها اليوم، ضغوطاً معيشية متزايدة، انعكست على الأسر التي كانت تنتمي إلى الطبقة الوسطى أو تعتمد على مصادر دخل محدودة لكنها مستقرة نسبياً.
ولم تعد المشكلة بالنسبة إلى كثير من الأسر مرتبطة بتحسين مستوى المعيشة أو تأمين الكماليات، بل أصبحت تتعلق بالقدرة على تغطية الاحتياجات الأساسية من الطعام، والسكن، والطبابة، والتعليم، والطاقة.

وتختصر تدوينة نشرتها سيدة من السويداء في إحدى مجموعات التواصل الاجتماعي جانباً من هذه المعاناة. فضلت السيدة عدم الكشف عن هويتها، وقالت إنها نشرت ما كتبته «لتفُشّ قهرها وليس لطلب المساعدة».
وتروي أنها وزوجها مستأجران ويعيلان أطفالاً، فيما يعمل الزوج على سيارة لنقل البضائع، لكن دخله لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية.
وتضيف: «يطلب أطفالي أشياء بسيطة وأعجز عن شرائها. حين أمر في السوق وأرى عائلات تحمل أكياس المشتريات ويرتدي أطفالها ملابس جديدة، أسأل نفسي: طيب ليش نحنا هيك؟».
وراء هذه الشكوى الفردية يظهر سؤال أوسع: كيف وصلت أسر كانت قادرة على إدارة حياتها ضمن إمكاناتها المحدودة إلى مرحلة يصبح فيها شراء احتياجات الأطفال أو تأمين وجبة يومية مسألة تحتاج إلى حسابات دقيقة؟

الفجوة بين الدخل والأسعار

يمكن النظر إلى حجم الضغوط المعيشية من خلال مقارنة بعض النفقات الأساسية بالدخول المحلية.
وبحسب الأسعار المحلية اليوم، تحتاج أسرة مؤلفة من خمسة أفراد إلى نحو ربطتي خبز يومياً، بكلفة تبلغ قرابة 10 ألف ليرة سورية في الأفران العامة و20 ألف في الأفران الخاصة يومياً، أي نحو 300 -600 ألف ليرة شهرياً.
أما وجبة غداء بسيطة لأسرة بالحجم نفسه، ومن دون احتساب اللحوم أو الدواجن، ومع افتراض وجود بعض المؤونة المنزلية، فتقدر كلفتها الدنيا بنحو 30 ألف ليرة يومياً، أي نحو 900 ألف ليرة شهرياً.
وبذلك تصل كلفة الخبز ووجبة غداء واحدة إلى نحو مليون ليرة شهرياً، قبل احتساب تكاليف السكن، والكهرباء، والمياه، والتعليم، والطبابة، والمحروقات، وبقية الاحتياجات اليومية.
وفي المقابل، تتفاوت الدخول المحلية بصورة كبيرة، فيما تتراوح التقديرات لدخل بعض العاملين بين مليون وأربعة ملايين ليرة سورية شهرياً، بحسب طبيعة العمل ومصدر الدخل.
وتكشف هذه المقارنة حجم الفجوة بين الدخل والنفقات، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر التي تعتمد على راتب واحد أو مصدر دخل محلي محدود.

أزمة لم تبدأ اليوم

رغم حدة الأزمة الحالية، فإن الضغوط الاقتصادية في السويداء ليست وليدة السنوات الأخيرة وحدها.
حيث اعتمد اقتصاد عدد كبير من الأسر في السنوات السابقة، على مزيج من الوظيفة الحكومية، والزراعة، ولا سيما الزراعة البعلية، وتحويلات الأقارب المقيمين في الخارج، إضافة إلى أعمال صغيرة ومصادر دخل متفرقة.

وفي ظل قلة الاستثمارات والمشاريع الإنتاجية الكبرى، بقيت خيارات العمل خارج القطاع العام والزراعة محدودة نسبياً، ما جعل الأسر أكثر حساسية لأي تراجع في قيمة الرواتب أو الإنتاج الزراعي أو التحويلات الخارجية.
ومع تصاعد التضخم قبيل سقوط النظام السابق عام 2024، تراجعت القوة الشرائية للرواتب الحكومية بصورة حادة. وتراوحت الأجور حينها، وفق تقارير إعلامية، بين نحو 200 و400 ألف ليرة، في وقت وصلت فيه أسعار بعض السلع والخدمات الأساسية إلى مستويات مرتفعة جداً؛ إذ سجل ليتر المازوت نحو 22 ألف ليرة، وبلغ سعر أسطوانة الغاز نحو مليون ونصف المليون ليرة، فيما وصل سعر كيلو الفروج إلى نحو 80 ألف ليرة.
وبذلك لم تعد المشكلة في قيمة الراتب الاسمية فقط، وإنما في قدرته الفعلية على شراء الاحتياجات اليومية.

صدمة تموز 2025: عندما سحقت السياسة بقايا الاقتصاد

مع التغيير السياسي وسقوط النظام السابق، انتعشت آمال سكان السويداء بتحسن الأوضاع الاقتصادية وإعادة بناء الخدمات وفتح باب الاستثمار بعد وعود حكومية. غير أن هذه الآمال تضاءلت سريعاً مع الفشل الإداري للحكومة الانتقالية في إدارة الملفات الخدمية والحيوية.
وتعمقت الأزمة بشكل حاد عقب هجمات تموز 2025، والتي أسفرت عن انتهاكات واسعة أدت إلى خسائر في الأرواح وموجات نزوح داخلي وتدمير للممتلكات. هذه الأحداث خلقت قطيعة سياسية وأمنية حادة بين السويداء والسلطة الانتقالية في دمشق، تُرجمت إلى ضغوط اقتصادية وتقييد لتوريد المواد الأساسية والمحروقات كأداة للإخضاع، مما تسبب في قفزات جنونية جديدة في الأسعار وندرة السلع.

النزوح.. كلفة إضافية لا تستطيع الأسر تحملها

أضاف نزوح ما يزيد عن 160 ألف نسمة من الريفين الغربي والشمالي؛ أعباء جديدة إلى ميزانيات الأسر. وتشير تقديرات محلية إلى أن إيجارات المنازل داخل مدينة السويداء تبدأ من نحو 100 دولار شهرياً، وترتفع بحسب الموقع والتجهيز.
وقد يكون هذا المبلغ قابلاً للتغطية بالنسبة إلى الأسر التي تحصل على دعم أو تحويلات من الخارج، لكنه يمثل عبئاً كبيراً على الأسرة التي تعتمد بالكامل على دخل محلي بالليرة السورية.
ومع تراجع القدرة على تغطية المصاريف، تلجأ بعض الأسر إلى مدخراتها الأخيرة، سواء عبر بيع المصاغ الذهبي أو بعض الممتلكات والمقتنيات، قبل الانتقال إلى الاستدانة لتغطية الاحتياجات اليومية.
وهكذا لا يتوقف أثر الأزمة عند انخفاض مستوى المعيشة، بل يمتد إلى استنزاف ما تبقى من مدخرات الأسر وتحويل جزء من الفقر الحالي إلى ديون والتزامات مستقبلية.

الاغتراب.. من مصدر دعم إلى شرط للاستمرار

تكتسب تحويلات المغتربين أهمية متزايدة بالنسبة إلى الأسر التي تعتمد عليها.
فما كان يُنظر إليه سابقاً بوصفه دعماً إضافياً للأسرة أو وسيلة للادخار والاستثمار، أصبح بالنسبة إلى بعض العائلات مصدراً أساسياً لتغطية الطعام والإيجار والطبابة والتعليم. ويخلق ذلك تفاوتاً واضحاً بين الأسر التي لديها أقارب قادرون على إرسال الأموال من الخارج، وتلك التي لا تملك هذا المصدر.
وبالنسبة إلى الفئة الأخيرة، يصبح الاعتماد على الدخل المحلي وحده أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تتجاوز كلفة الاحتياجات الأساسية قدرة الأسرة على الكسب.

طبقة وسطى تتآكل

تكشف قصة مطيع والسيدة التي كتبت عن عجزها أمام احتياجات أطفالها جانباً من تحول أوسع في نمط الحياة الاقتصادية داخل السويداء.
فالمشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع الأسعار، وإنما بتراجع قدرة مصادر الدخل التقليدية على مواكبتها، وبفقدان بعض الأسر لمصادر دخلها أو مساكنها أو ممتلكاتها، في الوقت الذي أصبحت فيه فرص العمل البديلة محدودة وغير مستقرة.
وبين موظف لم يعد راتبه يكفي، ومزارع يواجه تكاليف إنتاج مرتفعة، ونازح يبحث عن مسكن، ومدرس اضطر إلى بيع العلكة والقداحات، تتشكل صورة اقتصاد محلي تتقلص فيه مساحة الأمان المعيشي.
وفي نهاية المطاف، لم يعد السؤال بالنسبة إلى كثير من الأسر هو كيف تحافظ على مستوى معيشتها السابق، بل كيف تؤمّن احتياجاتها الأساسية من شهر إلى آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى