سوق العقارات في السويداء .. طلب مرتفع، بيع بدافع الهجرة، وارتفاع للأسعار بنحو 25%

متابعة: غيداء الصفدي
شهد سوق العقارات في السويداء تحولات حادة عقب الأحداث العسكرية الأخيرة، حيث ارتفع الطلب على الشقق السكنية والمكاتب بشكل ملحوظ، مقابل زيادة في عروض البيع بدافع السفر والهجرة، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي تعيشها السويداء، وتناقض غريب يشهده السوق لأول مرة.
وأسهم الهجوم العنيف الذي شنته قوات الجيش والأمن العام التابع للحكومة المؤقتة على السويداء، في شهر تموز الفائت، إلى زيادة الطلب على العقارات، لا سيما الشقق السكنية والمكاتب، نتيجة حاجة آلاف العائلات إلى السكن بعد التهجير من الريفين الشمالي والغربي، ومن المدينة نفسها.
وفي المقابل، دفعت الظروف الأمنية ذاتها عدداً من أصحاب العقارات إلى عرض ممتلكاتهم للبيع، في محاولة لتأمين تكاليف السفر، نتيجة الخوف من تكرار عمليات الإبادة الجماعية، وفقدان الأمان والاستقرار.
هذا التباين بين الحاجة الملحّة للسكن ورغبة آخرين بالمغادرة، خلق حالة ضغط مزدوجة على السوق العقاري.
ارتفاع الأسعار بنحو 25%
بحسب تقديرات عاملين في القطاع العقاري، سجلت أسعار الإيجارات والعقارات السكنية ارتفاعاً يُقدَّر بنحو 25% خلال الفترة التي أعقبت الأحداث الأخيرة، مدفوعة بازدياد الطلب، وتراجع المعروض القابل للسكن، إلى جانب حالة القلق العام التي دفعت بالسوق نحو تسعير غير مستقر.
وعلى الرغم من زيادة المعروض من العقارات للبيع، إلا أن حركة الشراء بقيت ضعيفة.
يقول نورس القضماني، صاحب مكتب عقاري، في حديثه مع #الراصد، إن السوق يميل حالياً لصالح البيع أكثر من الشراء، لكن دون نشاط حقيقي، بسبب ضعف القدرة الشرائية، والخوف من تقلبات العملة، وعدم الاستقرار العام.
ويضيف؛ أن عمل المكاتب العقارية شهد تراجعاً واضحاً، إذ بات حتى من يملك ثمن المنزل يتردد طويلاً قبل اتخاذ قرار الشراء، ويفضّل الانتظار أو مقارنة عدة عروض.
الإيجارات تحت ضغط النزوح
أدّت موجة النزوح من الريفين الغربي والشمالي إلى رفع الطلب على الإيجارات داخل مدينة السويداء والمناطق المحيطة، وهذا أدى إلى ارتفاعٍ واضح في الأسعار، خصوصاً في المناطق الحيوية.
ويُسعَّر الإيجار وفق الموقع، والمساحة، وحالة المنزل، وكونه مفروشاً أو غير مفروش، إضافة إلى مدة العقد.
وتتراوح الإيجارات في مدينة السويداء حالياً:
• غير المفروش: من 500 ألف ليرة سورية وما فوق
• المفروش: من مليوني ليرة سورية وما فوق
في حين تبقى الإيجارات في الأرياف أقل نسبياً، رغم تسجيلها زيادات ملموسة خلال الفترة الأخيرة.
أما أسعار المنازل المعروضة للبيع، فتتفاوت تبعاً للموقع ونوع البناء، مع ارتفاع ملحوظ في المناطق الحيوية.
ويُقدَّر سعر البيت المكسّي بنحو 10 آلاف دولار أمريكي كحد أدنى في المناطق البعيدة، ويرتفع إلى أرقام عالية كلما اقترب من مركز المدن.
أما في القرى المتضررة من الريفين الشمالي والغربي، تتجلى أزمة السكن بأشد صورها، إذ توزعت العائلات بين مراكز الإيواء، والقرى المجاورة، والمنازل المستأجرة، أو الإقامة كضيوف لدى الأقارب. فقد أُحرقت معظم المنازل وأصبحت غير صالحة للسكن، إضافة إلى منازل تعرضت للسرقة، ما أجبر مئات العائلات على النزوح القسري والبحث عن مأوى في ظروف إنسانية بالغة القسوة.
فوضى عارمة تحتاج إلى قوانين واضحة
لا أحد في السويداء يعلم سقف الإيجارات، وطريقة التسعير، في ظل غياب أي تشريعات فاعلة تحدد سقفاً لها، وتُترك عقود الإيجار لاتفاق الطرفين، ما يفتح المجال أمام ارتفاع الأسعار دون ضوابط قانونية واضحة.
ويبقى العامل الأخلاقي هو الناظم الوحيد لهذا القطاع، في ظل عجز الجهات المعنية عن التدخل، وهو ما يسبب تخبطاً واضحاً يدفع ثمنه الباحث عن مأوى مناسب يحفظ كرامته.
التكافل الاجتماعي… الوجه الآخر للأزمة
في المقابل، برزت مبادرات تضامن اجتماعي واسعة، حيث قام عدد من أصحاب العقارات بتقديم منازلهم مجاناً لإيواء عائلات نازحة، فيما تنازل آخرون عن جزء من الإيجار، في ظل انعدام فرص العمل وتأخر الرواتب.
وتعكس هذه المبادرات حالة من التكافل المجتمعي التي خففت جزئياً من حدة الأزمة، رغم محدودية أثرها أمام حجم الحاجة المتزايد.
- أعادت الحرب والنزوح والهجرة رسم المشهد العقاري في السويداء، حيث تتقاطع الحاجة الإنسانية مع القلق الاقتصادي في سوق يعاني من غياب الضبط والتنظيم. وبين ارتفاع الأسعار بنسبة تقارب 25%، وتراجع القدرة على الشراء، تبقى أزمة السكن واحدة من أبرز التحديات التي تواجه السويداء اليوم، بانتظار حلول تتجاوز المبادرات الفردية نحو معالجات أكثر شمولًا واستدامة.



