تقارير

جيل تحت الضغط.. كيف تركت مجزرة تموز آثارها النفسية على شباب ونساء السويداء؟

الراصد - فرح العاقل

مضى عام على مجزرة تموز 2025 في السويداء، لكن أصوات الرصاص والانفجارات ما تزال حاضرة في ذاكرة كثير من أبنائها. خلف الهدوء الذي تبدو عليه الشوارع، يعيش شباب ونساء آثاراً نفسية تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية؛ في النوم، والدراسة، والعلاقات الاجتماعية، والقدرة على الشعور بالأمان والتخطيط للمستقبل.

في أحد أحياء مدينة السويداء، يعيش سامر (22 عاماً)، الذي أنهى دراسته في المعهد المصرفي قبل أحداث تموز، وكان يخطط للبحث عن فرصة عمل وبناء حياته. بعد المجزرة، تغيّر إيقاع أيامه تدريجياً، وبات النوم مهمة شاقة. يقول لـ #الراصد: “لا أستطيع النوم بانتظام. أحياناً أستيقظ ليلاً على صوت عادي، فأشعر فجأة بأن كارثة ما على وشك الحدوث. أعلم أنه لا يوجد شيء، لكن الخوف يسبق التفكير”.

منذ ذلك الوقت، انكفأ سامر على نفسه، ليميل إلى العزلة والابتعاد عن محيطه. خفف خروجه من المنزل، وأصبح أكثر حذراً في الأماكن المزدحمة، فيما تحولت الأخبار المحلية أو الأصوات المفاجئة إلى محفزات تعيد إليه الشعور بالخطر. يضيف: “في السابق، كنت أخرج وأجلس مع أصدقائي دون تفكير. الآن أراقب كل ما يدور حولي، وأشعر بأن عليّ أن أكون مستعداً لأي طارئ. حتى بين الناس، لا أشعر بالراحة”. هكذا، لم يعد القلق بالنسبة لسامر مرتبطاً بلحظة محددة، بل أصبح شعوراً مباغتاً يرافقه، ليجد نفسه عالقاً بين العزلة والخوف من تكرار ما عاشه.

وفي منطقة أخرى من السويداء، كانت ليان (19 عاماً)، قبل أحداث تموز تقضي وقتاً طويلاً مع صديقاتها، وتتابع محاضراتها بشغف. أما اليوم، فأصبحت تفكر طويلاً قبل مغادرة المنزل، وتشعر بالقلق الشديد عندما يتأخر أحد أفراد عائلتها.

تقول ليان لـ #الراصد: “أحياناً أرغب في الخروج، لكنني قبل أن أفتح الباب أبدأ بالتفكير في كل الاحتمالات. وإذا تأخرت خارج المنزل، أشعر برغبة في العودة سريعاً”. وتوضح أن أثر القلق امتد ليفقدها التركيز في دراستها: “أفتح الكتاب وأقرأ الصفحة أكثر من مرة، لكنني أشعر بأن أفكاري في مكان آخر. أسمع ما يُقال، لكنني لا أستطيع متابعة الأفكار كما كنت أفعل سابقاً.. في السابق، كنت أفكر بالجامعة والمستقبل، الآن يبقى جزء من تفكيري مشغولاً بالسؤال: هل سيبقى الوضع هادئاً؟”.

ولا تقتصر آثار المجزرة على الشباب، فالنساء يحملن أعباء الخوف على الأبناء ومحاولة الحفاظ على تماسك الأسرة. تعيش أميمة (45 عاماً)، وهي ربة منزل، تفاصيل هذا القلق يومياً. تقول: “إذا تأخر أحد أبنائي عشر دقائق، أبدأ بالاتصال به أكثر من مرة. أعلم أن خوفي يكون أحياناً أكبر من الموقف، لكنني لا أستطيع منع تلك الأفكار”.

تحاول أميمة متابعة مسؤولياتها، لكن الأصوات المرتفعة تعيد إليها التوتر فجأة، وتجبرها على إخفاء تعبها النفسي: “الجميع يسأل الأم عن أحوال أبنائها، لكن قليلين من يسألونها عن حالها. أحياناً أشعر بأن عليّ أن أبدو قوية حتى لا أخيفهم، رغم أنني أكون بحاجة إلى شخص يستمع إليّ”.

تتقاطع هذه المعاناة الفردية مع التقديرات العالمية، إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 22% ممن شهدوا نزاعات مسلحة خلال السنوات العشر الماضية يعانون من اضطرابات نفسية، مثل الاكتئاب، القلق، واضطراب كرب ما بعد الصدمة. ورغم أن بعض الأعراض كالحزن ومشكلات النوم تتحسن بمرور الوقت، إلا أن فئة واسعة تتطلب رعاية تخصصية.

محلياً في السويداء، ورغم غياب الإحصاءات الرسمية الشاملة، تؤكد متابعات الأخصائيين النفسيين هذا المسار عبر ارتفاع ملحوظ في مراجعات الشباب والنساء للعيادات.

وهنا، يفسر الأخصائي النفسي وجدي المحيثاوي هذه الحالة بأن آثار الصدمة لا تنتهي بانتهاء الحدث العنيف، بل تضع الناجي في حالة “تأهب وترقب دائمين”. ويوضح أن العقل يتعامل مع الحركات المفاجئة والأخبار المرتبطة بالأحداث بوصفها “إشارات تهديد” حتى في الأماكن الآمنة، ما يترجم سلوكياً باضطرابات النوم، سرعة الانفعال، وصعوبة التركيز.

ومن خلال الحالات التي يعاينها المحيثاوي (والتي تعكس واقع المراجعين)، تتركز الأعراض لدى نحو 60% من الإناث في القلق والأرق والاضطرابات الجسدية المرتبطة بالتوتر. في المقابل، يظهر نحو 30% من المراجعين الذكور أشكالاً من الارتياب الدائم، والانسحاب الاجتماعي، والاستجابات العصبية؛ وهي أعراض تعكس في جوهرها “خوفاً وجودياً عميقاً” ناتجاً عن فقدان ركيزة الأمان المجتمعي.

أما لدى اليافعين والشباب، فيلفت المحيثاوي في حديثه لـ #الراصد إلى أن آثار الصدمة تتخذ أشكالاً كالتراجع في التحصيل الدراسي، التشتت داخل الصفوف، والعدوانية، مشيراً إلى أن العديد منهم يخطئون في تشخيص حالتهم بوصفها مجرد “تعب أو ضيق”، متجاهلين الضغوط النفسية المتراكمة. وقد ترافق هذا القلق مع زيادة ملحوظة في اللجوء إلى الأدوية المهدئة؛ ورغم أهميتها كجزء من خطة علاجية بإشراف طبي، يؤكد الأخصائي أنها لا تعالج وحدها جذور التجربة الصادمة التي تتطلب دعماً نفسياً لاستعادة الشعور بالأمان.

ويحذر المحيثاوي من أن محدودية الخدمات، ونقص برامج الدعم النفسي المنتظمة، إلى جانب الوصمة الاجتماعية والضغوط الاقتصادية، تترك الكثيرين أمام خيارات ضيقة. ويؤكد على الحاجة الماسة لتوسيع هذه الخدمات، لا سيما في المدارس والمعاهد، وتدريب الكوادر التعليمية على رصد التغيرات السلوكية وإحالتها للمختصين.

جيل يحاول استعادة توازنه

تكمن خطورة المشهد النفسي والاجتماعي في انتقال آثار الصدمة من التجارب الفردية إلى حالة جماعية تمتد داخل العائلات. فالشاب الذي يدخل مرحلة جديدة من حياته وهو يحمل عبء تجربة عنيفة، من دون أدوات كافية للتعافي، يصطدم بصعوبة بالغة في بناء مستقبله.

بالنسبة لسامر، ما زال التفكير في المستقبل مرهوناً باستعادة الأمان أولاً: “أريد أن أعمل وأبني حياتي بصورة طبيعية، لكنني أشعر أحياناً بأن جزءاً مني ما يزال عالقاً في تموز”. أما ليان فتلخص المسار الصعب بقولها: “ربما لن نعود كما كنا، لكنني أريد أن أتعلم كيف أواصل حياتي، وألا أسمح للخوف بأن يقرر عني”.

بعد عام على المجزرة، تبدو الحياة في السويداء مستمرة في ظاهرها، لكن خلف التفاصيل اليومية جيل يحمل آثار تجربة عنيفة ويحاول استعادة توازنه. وبين شاب يبحث عن بداية جديدة، وطالبة تحاول استعادة تركيزها، وأم تخفي خوفها، تتجلى الحاجة للتعامل مع الصحة النفسية بوصفها حجر الأساس لمسار التعافي المجتمعي، وليس ملفاً مؤجلاً لما بعد انتهاء الأزمات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى