
تبرز بلدة “رساس” كواحدة من الشواهد الحية على تعاقب الحضارات، حيث ظهرت في السجلات العثمانية عام 1596 باسم “إرساس”، وكانت معبراً مهماً لقوافل الحج والتجارة قديماً، حيث تتمازج فيها روح الماضي العريق مع تطلعات المستقبل العمراني، وتبرز أهميتها من خلال موقعها القريب من مركز المدينة مما يجعلها مكاناً مأهولاً يجمع بين نقاء الريف وحضارة المدينة.
تمتد رساس على مساحة تقريبية تبلغ 12,730 دونماً، وتتسم بوجود الحجارة البركانية السوداء والتربة الحمراء الداكنة الخصبة التي نتجت عن النشاط البركاني القديم، يحدها شمالاً مدينة السويداء التي تبعد عنها حوالي 7 كم، وجنوباً قرية العفينة، ويحدها من الشرق قرية سهوة البلاطة، وبلدة عرى من ناحية الغرب.

تستقر #رساس على ارتفاع 1040 مترًا فوق مستوى سطح البحر، مما يمنحها مناخاً معتدلاً وتربة خصبة، حيث اشتهرت تاريخياً بإنتاج الفواكه والخضروات.
وتضم معالم تاريخية تعود لعصور متعددة من أبرزها:
آثار ما قبل التاريخ، حيث عُثر في مزرعة “أم الشراشيح” (شمال القرية) على أدوات صوّانية تعود لإنسان ما قبل التاريخ، بالإضافة إلى كِسَر فخارية تؤرخ لعصور لاحقة.
أما مزار النبي أيوب، فيقع في منطقة نبع “أم الشراشيح”، وهو مزار شيد فوق أنقاض معبد وثني قديم، وتروي القصص الشعبية أن النبي أيوب اغتسل وشرب من مياه هذا النبع أثناء مرضه.
كما توجد في القرية بقايا مبانٍ أثرية قديمة متمثلة في دار آل الأطرش، وهي شاهد على النمط المعماري التقليدي للمنطقة.
الينابيع والعيون التاريخية: تشتهر رساس بلقب “قرية السبع ينابيع”، وكانت مصدراً حيوياً للحياة منذ القدم، ومن أبرزها:
نبع أم الشراشيح: نبع صخري يمتاز بعذوبة مياهه، سمي بذلك لأن الماء يرشح من صخره في سنوات الوفرة.
عين أم النجم: تُعرف بـ “المغارة” وتقع شمال القرية.
عين أم القصب: كانت المصدر الأساسي لأول مشروع مياه بالأنابيب في القرية منذ أربعينيات القرن الماضي.

يشير كتاب “جبل الدروز” إلى أن قرية رساس أُعيد استيطانها فعلياً حوالي عام 1860، مشدداً على أهميتها الاستراتيجية كخط دفاعي جنوبي عن السويداء وكمورد زراعي حيوي للمدينة. كما يبرز الكتاب دور القرية كمركز قيادي لاتخاذ القرارات السياسية والعسكرية خلال فترات الصراع، موضحاً وجود عمق تاريخي للتسمية يسبق السكن الحديث.
ورد ذكر قرية رساس في مذكرات سلطان باشا الأطرش (كتاب “أحداث الثورة السورية الكبرى”) كواحدة من النقاط الاستراتيجية الهامة في إدارة العمليات العسكرية والسياسية خلال الثورة، حيث استقبل فيها سلطان باشا الأطرش الدكتور عبد الرحمن الشهبندر (المنسق السياسي للثورة) لعرض مشاريع واتفاقيات عسكرية حاسمة، و تمت الموافقة على خطة لدعم الثورة في المنطقة الوسطى (حمص وحماة)، حيث أمر الأطرش من هناك بإرسال سرية من الفرسان بقيادة الضابط “حسني عباس صخر” للتمركز في منطقة “عين القصب” لدعم القائد فوزي القاوقجي، كما توثق المذكرات انطلاق الثوار من قرية رساس لشن هجمات على القوات الفرنسية المتمركزة حول مدينة السويداء، وتمكنوا في إحدى العمليات من اختراق صفوف الجيش والوصول إلى مخازن الذخيرة، مما أربك القيادة الفرنسية آنذاك.

رئيس الجمعية الفلاحية في قرية رساس “حليم يوسف حمزة” قال لـ #الراصد إن مساحة الأراضي الزراعية تبلغ نحو 5000 دونم؛ تتوزع هذه المساحات بين 1000 دونم من الأراضي المروية، بينما تعتمد الـ 4000 دونم المتبقية على الزراعة البعلية. وتتنوع المواسم الزراعية في رساس لتشمل الحبوب الاستراتيجية مثل القمح والشعير والحمص، بالإضافة إلى الخضروات الموسمية التي تشتهر بها القرية مثل البندورة والخس.
أما عن مصادر الري، فقد أشار حمزة إلى تراجع كبير في كفاءة المرافق المائية؛ فمن أصل 6 آبار عامة لا يوجد سوى بئر واحد قيد الخدمة بعد تعطل 5 منها، وعلى صعيد الآبار الخاصة التي يبلغ عددها 15 بئراً، فقد تعطل منها 3 آبار.
ويصف رئيس الجمعية مدى معاناة الفلاحين المتفاقمة، والتي تتلخص في ندرة مادة المازوت وارتفاع أسعارها بما يفوق قدرة المزارع، مما أثر سلباً على سير العمليات الزراعية، يضاف إلى ذلك الصعوبة البالغة في تأمين البذار والسماد، مما يضع مستقبل الإنتاج الزراعي في القرية أمام تحديات جسيمة.
من جانبه، صرّح مختار القرية جمال فايز حمزة بأن “رساس” تشهد نمواً سكانياً ونشاطاً اقتصادياً ملحوظاً، حيث يبلغ عدد سكانها التقريبي 8000 نسمة يتوزعون على 1500 عائلة، بالاضافة إلى 675 أسرة وافدة استقبلتهم القرية خلال أحداث تموز الماضي، وأشار المختار إلى توفر بنية خدمية وتجارية متكاملة تضم 70 محلاً تجارياً، و8 صيدليات طبية، وصيدلية زراعية، بالإضافة إلى مرافق حيوية تشمل مدرستين ابتدائيتين وإعدادية، ومبنى للبلدية، ووحدة إرشادية زراعية، ومركزاً للرعاية البيطرية، ووحدة للتشجير المثمر، ومعسكر الطلائع سابقاً.
كما أكد على الأهمية الاقتصادية للقرية بوجود منطقة صناعية كبيرة عند المدخل، ومنطقة حرفية متخصصة بصناعة الإسمنت جهة الغرب، معززة بوجود مؤسسات إنسانية فاعلة كشعبة الهلال الأحمر والجمعية الخيرية.
يوضح فيصل خليفة، رئيس الجمعية الخيرية في “رساس” التي تأسست عام 2010، الدور الإغاثي والتعليمي البارز الذي تلعبه الجمعية؛ حيث تقدم خدماتها حالياً لنحو 675 أسرة من الوافدين، بينما يتجاوز إجمالي الأسر المستفيدة من الإعانات الإغاثية حاجز الـ 1000 أسرة. وفي الشق التعليمي، تشرف الجمعية على كافة المراكز التعليمية في القرية، ومن أبرزها “مركز الأمل التعليمي” الذي قدم خدماته لأكثر من 12 ألف مستفيد خلال 4 سنوات. وتتميز الجمعية بتقديم كافة خدماتها مجاناً، اعتماداً على فريق شبابي متطوع ومنظم منذ 5 سنوات، نجح في تنفيذ عشرات المبادرات المجتمعية تحت مظلة الجمعية.
وأما عن سبب تسمية القرية واكب #الراصد آراء السكان المحليين الذي أجمعوا على أنها سُميت بهذا الاسم لكثرة ينابيع المياه التي كانت تجري في أراضيها قديماً، مما جعلها من أخصب قرى السويداء وأكثرها خضرة.
ويرجح الأستاذ بشير بو حمدان، أن الاسم قد يعود لجذور قديمة تعني “الينابيع”، وهو ما ينسجم مع واقع البلدة التي كانت أول قرية تصلها المياه عبر الأنابيب في أربعينيات القرن الماضي بعد مدينة السويداء.
تظل “رساس” نموذجاً فريداً للبلدة التي تعتز بجذورها دون أن تنغلق عن الحداثة. هي دعوة لكل عابر بأن يتأمل في حجارتها السوداء التي تخبئ خلف كل زاوية قصة مجد قديم وحلم بغدٍ أجمل.



