اخبارتحقيقات معمقة
أخر الأخبار

نساء السويداء.. من تحديات الأزمة إلى قيادة التغيير والتنمية.

​الراصد- علي الحسين

في مطبخها المتواضع في إحدى قرى ريف السويداء، تقف “سماهر”، 42 عاماً، تراقب غليان الحليب في قدر كبير، بينما تعبئ بيديها قوالب الجبن الطازج. يداها اللتان اعتادتا ترتيب المنزل فقط، أصبحتا اليوم تديران مشروعاً إنتاجياً صغيراً.

“لم أكن أتخيل يوماً أنني سأكون المعيل الأساسي لأسرتي”، تقول سماهر لـ #الراصد وهي تمسح العرق عن جبينها، وتضيف: “عندما فقد زوجي عمله، شعرت أن العالم ينهار، لكنني اليوم بتُّ أورّد منتجاتي لأربعة محال تجارية، وأدفع تكاليف أبنائي الدراسية”.

​قصة سماهر، التي تحولت من زوجة محاصرة باليأس إلى سيدة منتجة بفضل قرض تمويلي وتدريب مهني، ليست مجرد حكاية فردية للنجاح؛ بل هي تلخيص مكثف لثورة هادئة تقودها نساء السويداء. فخلف المشهد القاتم للأزمات الاقتصادية والسياسية، تقف النساء هنا لنسج واقع جديد لا يكتفي برفع الشعارات، بل يتحرك على الأرض بفعالية.

​وفقاً لتقييمات مجتمعية ومنظماتية وتقارير إعلامية محلية غير رسمية، ارتفعت نسبة الأسر التي تعيلها نساء في السويداء بشكل ملحوظ خلال السنوات الخمس الأخيرة، لتتجاوز عتبة الـ 30% في بعض المناطق الريفية. هذا الواقع فرض تغييراً جذرياً؛ فلم تعد المرأة مجرد ضحية أو رقم في سجلات الإغاثة، بل أصبحت المبادِرة، وصانعة القرار ضمن شبكة واسعة من الفرق والمنظمات المدنية.

التمكين الاقتصادي.. وثقافة استقلال المرأة الاقتصادي.

​لم تكن سماهر لتبدأ مشروعها لولا تدخل مبادرات المجتمع المدني التي قررت نقل النساء من دائرة “تلقي المساعدات” إلى دائرة “الاستدامة”. هنا يبرز دور “فريق جنى للتنمية المستدامة”، الذي قدم لعشرات النساء قروضاً تنموية متناهية الصغر ساعدتهن على بدء العملية الإنتاجية.

​وفي إحصاءات متقاطعة لبعض الفرق العاملة على الأرض، تمكنت أكثر من 600 امرأة خلال الخمسة أعوام الماضية من تأسيس مشاريع منزلية صغيرة، بنسبة نجاح تخطت 75%، وهي نسبة مبهرة مقارنة بحالة الانهيار الاقتصادي العام.

​إلى جانب المؤسسات، تبرز المبادرات الفردية كحواضن مجتمعية. سابقاً اتخذت خلود هنيدي، ناشطة مدنية من منزل عربي قديم مقراً لمشروعها الرائد “فجّة خُرَق”. هذا المشروع لم يقتصر على إعادة تدوير الأقمشة وصناعة الحرف اليدوية، بل شكل مساحة آمنة استقطبت عشرات النساء اللواتي بتن يمتلكن دخلاً شهرياً مستقلاً يحفظ كرامتهن.
​التمكين السياسي والمدني.. الخروج من العزلة إلى ساحات القرار.

​لم يبقَ تأثير هذا التمكين حبيس جدران المنازل أو المشاريع الاقتصادية. فكما كسرت النساء حاجز العوز، كسرن أيضاً احتكار الرجال للمشهد العام. وقد سجلت السنوات الأخيرة حضوراً نسائياً لافتاً في ساحات التظاهر السلمي والعمل النقابي، حيث شكلت النساء نسبة لا يستهان بها من الحراك المدني الميداني.

و​تُعد منظمات “جذور” و “بلدي” و”أوركيدا” “جنى للتنمية” وفرق أخرى من أبرز الفاعلين في هذا الميدان، حيث تعمل على دعم المرأة سياسياً ومناصرة قضاياها وفق القرار الأممي 1325 (المرأة والسلام والأمن). وأكدت الناشطة سامية العلي إحدى المتطوعات في المنظمات والفرق المدنية العاملة في السويداء في حديث لـ #الراصد؛ أن ترسيخ مفهوم “المواطنة” هو الخطوة الأولى نحو تحقيق العدالة.

​كما يتجسد هذا الوعي في كلمات “ديما”، 28 عاماً، إحدى المشاركات في ورش الوعي السياسي، والتي تقول: “كنا نظن أن السياسة وصناعة القرار حكر على الرجال في المضافات والاجتماعات المغلقة. اليوم، بفضل التدريبات، تعلمنا كيف نقرأ القوانين وكيف نفاوض. نحن لا نطلب إزاحة أحد، بل نطالب بمقعدنا المستحق على طاولة بناء مستقبل السويداء”.

​الدعم النفسي.. صلابة في وجه الانهيار.

​خلف كل امرأة قوية كـ “سماهر” أو “ديما”، معركة صامتة مع الضغوط النفسية. لذلك تنشط مؤسسات مثل “مؤسسة خطوات” و”منظمة دار” في بناء القدرات وتقديم الدعم النفسي.

و​توضح “علا”، 40 عاماً، وهي متطوعة في مجال الدعم النفسي المجتمعي: “النساء هنا يحملن جبالاً من الضغوط المادية والخوف من المستقبل. الجلسات التي نعقدها ليست مجرد فضفضة، بل هي بناء صلابة نفسية تمنعهن من الانهيار. لقد أنقذت هذه الجلسات مئات الأمهات والفتيات من الاستسلام للاكتئاب”.
​تحديات وعقبات في طريق وعر.

​رغم هذه الإنجازات، لا يزال الطريق محفوفاً بالمخاطر. فالسويداء تعاني من تحديات أمنية بالغة. تشير الحقوقية “سهام الحمد” إلى أن النساء يجدن أنفسهن في مواجهة مزدوجة: مواجهة التقاليد الثقافية الصارمة، ومواجهة حملات التشهير الإلكترونية الممنهجة التي تستهدف الناشطات لترهيبهن وإعادتهن إلى الظل. اقتصادياً، تعاني أكثر من 60% من المبادرات النسوية من عجز مالي يهدد بتوقفها نتيجة شح المنح الدولية.

​إن ما تفعله سماهر، ومئات النساء والمنظمات المدنية في السويداء اليوم، يتجاوز بكثير مجرد تأمين لقمة العيش أو إطلاق تصريحات سياسية؛ إنه عملية “إعادة هندسة” عميقة للمجتمع بأيادٍ نسائية. كل مشروع ينجح، وكل ندوة تُعقد، هي حجر أساس في جدار صمود المجتمع. نساء السويداء اليوم أثبتن أنهن لا ينتظرن التغيير، بل هن التغيير ذاته.

​في نهاية يومها، تعود “سماهر” لترتيب عبوات الجبن التي ستنقلها في الصباح الباكر إلى السوق. تنظر إلى أطفالها وهم يراجعون دروسهم على ضوء خافت، وتبتسم بصلابة قائلة: “لم نعد ننتظر من ينتشلنا من الغرق.. لقد تعلمنا كيف نصنع قواربنا بأنفسنا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى