مبادرات
أخر الأخبار

من عتيل .. تكريم يوثق إرث عالم الآثار الراحل علي أبو عساف.

الراصد - خاص

انطلقت صباح يوم أمس الخميس؛ فعالية توثيقية لتكريم عالم الآثار الراحل الدكتور علي أبو عساف، نفذها فريق من دارسي الآثار والمتاحف والمهندسين ضمن “مشروع حماية تراث السويداء”، وهو فريق يعنى بتوثيق تراث السويداء وحضارتها وصون إرثها الثقافي. واختار المشاركون أن يبدأوا أعمالهم من بلدة عتيل شمال مدينة السويداء، مسقط رأس الدكتور أبو عساف، حيث أقيم التكريم في مقعد آل أبو عساف، في مبادرة حملت دلالة رمزية تربط بين المكان الذي شهد بداياته العلمية والإرث الذي تركه في تاريخ الآثار السورية.

يعد الدكتور علي أبو عساف أحد أبرز علماء الآثار والباحثين السوريين في تاريخ الحضارات القديمة واللغات الشرقية، إذ ولد في عتيل في 23 أيلول 1931، وتدرج في تعليمه بين بلدته ومدينة السويداء قبل أن ينتقل إلى دمشق، ثم أوفد إلى ألمانيا بين عامي 1957 و1959 لدراسة الآثار الشرقية القديمة في جامعة مارتن لوثر، إلى جانب تخصصه في اللغتين الآرامية والعبرية. وواصل مسيرته الأكاديمية بحصوله على درجة الماجستير عام 1962، ثم تابع دراسة اللغة الأوغاريتية في جامعة هايدلبرغ، قبل أن ينال درجة الدكتوراه من جامعة ساربروكن الألمانية عام 1979، جامعاً بين البحث الأكاديمي العميق والخبرة الميدانية.

ومع عودته إلى سوريا، تقلد عدداً من أبرز المناصب في المديرية العامة للآثار والمتاحف، فعيّن عام 1964 رئيساً للحفريات ومساعداً للمدير، ثم مديراً للمباني بين عامي 1980 و1988، قبل أن يتولى منصب المدير العام للآثار والمتاحف بين عامي 1988 و1993 حتى انتهاء خدمته، مساهماً في إدارة وحماية عدد كبير من المواقع الأثرية السورية.

وعلى امتداد عقود، ارتبط اسمه بأهم أعمال التنقيب الأثري، بدءاً من مقابر يبرود، مروراً بتل عشترة، ثم اكتشاف المقبرة الرومانية البيزنطية في قرية الطيبة بريف دمشق، وصولاً إلى تنقيبات موقع عين دارة التي استمرت سنوات وشكلت محطة بارزة في مسيرته العلمية، قبل أن يواصل أعماله في تل دبة بريكة بين عامي 2003 و2010، مضيفاً إلى سجل الآثار السورية اكتشافات ودراسات تركت أثراً علمياً واسعاً.

ولم يقتصر إرثه على العمل الميداني، بل أغناه بعشرات الدراسات والأبحاث المنشورة بالعربية والألمانية والفرنسية والإنكليزية، تناولت النقوش الآرامية والسريانية والصفوية، والحضارة الأوغاريتية، وآثار عين دارة، وماري، والفرات، وآسيا الغربية، إلى جانب أبحاث متخصصة في الفن والنحت واللقى الأثرية، ما جعله مرجعاً علمياً في تاريخ الحضارات السورية القديمة.

كما ترك رصيداً مهماً من الكتب والمؤلفات التي وثقت تاريخ وآثار سوريا، من بينها “الآراميون تاريخاً ولغة وفناً”، و”عين دارة” بجزأيه، و”فنون الممالك القديمة في سوريا”، و”آثار جبل حوران” بجزأيه، و”تل خويرة”، و”آثار الممالك القديمة في الجزيرة وطور عابدين”، إضافة إلى إصدارات علمية بلغات أجنبية ودليل معبد عين دارة بأربع لغات، فضلاً عن ترجمته المبكرة لكتاب “تاريخ الشرق الأدنى القديم”، في مساهمة عززت حضور المعرفة الأثرية باللغة العربية.

رحل الدكتور علي أبو عساف في الأول من آذار عام 2018، بعد مسيرة امتدت لعقود في خدمة الآثار والبحث العلمي، تاركاً إرثاً وثائقياً وأكاديمياً ما يزال يشكل مرجعاً للباحثين والمتخصصين، فيما جاءت فعالية يوم أمس لتؤكد أن الأسماء التي كرست حياتها لحماية ذاكرة المكان تبقى حاضرة في وجدان أبناء منطقتها وفي تاريخ الحضارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى