
من رفوف المطابخ إلى أسواق العرض والطلب، باتت صناعة المؤن المنزلية (المونة) في السويداء مشروعاً تلجأ إليه نساء كثيرات لإعالة أسرهن في مواجهة قسوة المعيشة. غير أن رحلة العمل والإنتاج الشاقة تصطدم بتحديات الإيجارات المرتفعة وتآكل هوامش الربح، ما يهدد استدامة هذه المشروعات متناهية الصغر.
تعيش “أم خالد”، صاحبة مطبخ لإعداد (المونة)، مع أسرتها المكونة من أربعة أفراد وحماتها. وتحاول عبر مشروعها تأمين دخل يخفف وطأة الغلاء، وسط أعباء مالية ثقيلة تتقدمها إيجارات المنزل والمحل والمطبخ، التي تناهز مجتمعة 225 دولاراً شهرياً.
وفي حديث لـ #الراصد تختصر أم خالد واقعها بالقول: “الوضع المعيشي الصعب بات يفرض على كل فرد العمل؛ إذ لم يعد ممكناً لشخص واحد إعالة أسرة كاملة”.
بدأت حكايتها مع المهنة بـ”يقطينة” واحدة صنعت منها مربى اليقطين (المعقود). وما إن نشرت إحدى صديقاتها إعلاناً عبر فيسبوك حتى توالت الطلبات، ليتوسع العمل تدريجياً ويشمل أصنافاً أخرى. ومع عجزها عن تلبية الطلب بمفردها بعد نحو عام، افتتحت مطبخاً واستعانت بسبع عاملات. ولتمويل التوسع، اقترضت أم خالد من برنامج “الاكتفاء الذاتي” وباعت شقة غير مكتملة البناء، ليتحول المشروع إلى شريان رزق يغطي معيشة ثماني عائلات.
لم يحقق التوسع الاستقرار المالي المنشود؛ إذ تستمر الالتزامات الشهرية الثابتة في ملاحقة المشروع حتى بعد انحسار ذروة الموسم. وتوضح أم خالد أنها مرت بفترات حرجة عجزت فيها عن الادخار بفعل ارتفاع النفقات التشغيلية، ما ينسحب سلباً على العاملات اللواتي يعتمدن على هذا الدخل في تسيير أمور بيوتهن.
وتتجسد معضلة تآكل الأرباح في طبق الباذنجان المخلل (المكدوس)؛ إذ كانت تبيع الكيلوغرام سابقاً بنحو 80 ألف ليرة سورية مع تحقيق هامش ربح معقول. أما اليوم، فباتت كلفة الكيلوغرام الواحد مع العبوة ودون احتساب الزيت تقارب 100 ألف ليرة، إثر قفزات أسعار الخضار وتحديداً الباذنجان المفرز ذي الجودة العالية، فضلاً عن تفاوت أجور النقل والتوصيل.
يضع هذا الواقع أم خالد أمام معادلة حرجة؛ الموازنة بين الحفاظ على الجودة والنظافة، وتحديد سعر يناسب القدرة الشرائية للزبائن دون الانزلاق إلى الخسارة. وتوضح أن وضعها يكون مقبولاً خلال ذروة الإنتاج مع نشاط حركة البيع، قبل أن تبرز الصعوبات مع ركود ما بعد الموسم وبقاء المصاريف التشغيلية على حالها.
تستقطب (المونة) الجاهزة شرائح متعددة، في مقدمتها الموظفون كالأطباء والمهندسين الذين تحول ساعات عملهم الطويلة دون تحضيرها منزلياً، فضلاً عن المغتربين والمسافرين.
ترى سارة، العاملة في القطاع الخاص، أن شراء المونة يوفر وقتاً ثميناً بعد يوم عمل شاق، لكنها باتت أكثر تدقيقاً في الأسعار والكميات لمجاراة الغلاء. وتشاركها الرأي المهندسة ريم، وهي أم لطفلين، مؤكدة أن ضيق الوقت والحاجة إلى منتج غذائي موثوق يدفعانها للشراء، شرط ألا يخل ذلك بميزانية أسرتها.
ولكسر ركود ما بعد الموسم وتغطية النفقات المستمرة، تسعى أم خالد إلى تنويع إنتاجها شتاءً عبر إعداد المعجنات والحلويات التراثية مثل (الزلابية) و(المرشم) و(اللزقيات)، طامحةً إلى التوسع عبر فروع إضافية مع التمسك بالإنتاج اليدوي التقليدي متى ما توافر التمويل الكافي.
اقتصاد البقاء، ومعضلة الاستدامة
تندرج تجربة أم خالد ضمن نمط “اقتصاد البقاء”، حيث تضطر الأسر إلى استثمار مهاراتها الذاتية في مبادرات صغيرة لسد الفجوة المعيشية. غير أن غزارة الطلب وحدها لا تضمن ديمومة المشروع، ما لم تقترن بفائض نقدي بعد سداد مدخلات الإنتاج وأجور النقل والإيجارات.
وفي هذا السياق، يوضح الباحث في تمكين المشروعات الصغيرة ومستشار التسويق السابق بهيئة تنمية المشروعات، “مضر فياض” في حديث لـ #الراصد، أن المشروعات متناهية الصغر تؤدي دوراً حيوياً في تنشيط الاقتصاد المحلي وتوليد الدخل، عبر ربط الطاقات الأسرية بحلقات الزراعة والنقل والتجارة، وتعزيز استقلالية النساء ومشاركتهن الاقتصادية، إلى جانب صون مهارات التصنيع الغذائي التراثي.
ويلفت فياض إلى أن التسويق وغياب الدعم المؤسسي يشكلان العائق الأكبر أمام استمرارية هذه المبادرات. ويقترح لمواجهة ذلك تعزيز التعاون التشاركي عبر تأسيس منافذ بيع مشتركة لخفض التكاليف وتوسيع قاعدة الزبائن، مستشهداً بتجارب محلية في السويداء مثل مبادرتي “بيت الحرف” و”غصن عتيق”، والمعارض والبازارات التسويقية التي ترعاها الجمعيات الأهلية.
ويشدد على أهمية الانتقال من المساعدات الإغاثية التقليدية إلى تمكين سلاسل القيمة، عبر توفير مطابخ ومساحات إنتاج مشتركة، وتوجيه مشتريات المنظمات الداعمة نحو المنتجين المحليين؛ من خلال شراء (المونة) لإدراجها في السلال الغذائية، أو التعاقد مع ورش الخياطة الأهلية لتجهيز المستلزمات الإنسانية. من شأن هذه الآليات أن تضمن تدفقاً نقدياً مستداماً يحمي المشروعات المنزلية من شبح الإغلاق، ويحافظ على فرص العمل التي توفرها في بيئة اقتصاد
ية بالغة التعقيد.



