تقارير
أخر الأخبار

جابر عثرات الكرام يضرب مجدداً في السويداء، ويترك الأمل خلف الأبواب

في زمن يرزح فيه غالبية الناس تحت وطأة العوز، يصرّ شخص مجهول الهوية في السويداء؛ على تذكير الناس بأن النبل لم ينقرض، وأن ستر البيوت عبادة لا تحتاج إلى وسيط. حيث أعاد “جابر عثرات الكرام”، نشاطه مجدداً، ليتجول في أحياء السويداء بصمت، تاركاً أثره خلف الأبواب الموصدة دون أن يعرف أحد ملامحه.

‏تقول “سعاد”، وهي أم لثلاثة أطفال تقطن أحد أحياء المدينة الشرقية، لـ #الراصد: «منذ شهور وأنا أعيش كابوساً يومياً، ابنتي مريضة وتحتاج إلى أدوية شهرية بات ثمنها يفوق قدرتي وقدرة زوجي العامل بالمياومة. في كثير من الليالي لا ننام لأن علبة الدواء أوشكت على النفاد». وتتابع: «لكن في صباح يوم الثلاثاء الماضي، فتحت باب المنزل قبل خروج زوجي للعمل، فوجدت كيساً بلاستيكياً معلقاً بعناية على المقبض الخارجي. ووجدت علب الأدوية الخاصة بعلاج ابنتي، ومعها ورقة صغيرة مكتوبة بخط يد هادئ: (إبنكم جابر عثرات الكرام.. مال حلال.. الله يشفي بنتك)، الشخص الذي قدم هذه الأشياء لم يطرق الباب ليرى انكساري، ولم يطلب كلمة شكر، ولم يرفع كاميرا ليتاجر بوجعي».

‏وفي زاوية أخرى من المدينة، كانت “ولاء”، وهي شابة فقدت زوجها قبل عامين وتكافح بمفردها لتربية طفلتين صغيرتين، تعيش مرارة التهديد بالطرد من منزلها المستأجر بعد أن تراكمت عليها الأجرة وعجزت عن تأمين أبسط مقومات المؤونة. حيث ‏تروي لـ #الراصد قصتها مع جابر قائلة: «وصلت إلى طريق مسدود، صاحب البيت صبر عليّ كثيراً لكنه في النهاية أصبح يلح بطلب حقه من أجرة البيت. البراد فارغ تماماً حتى من أساسيات الطعام. ضاقت بي الأيام، ودعوت الله بالفرج».
وتضيف: «في الصباح، لفت انتباهي ظرف ورقي أبيض مدسوس بعناية من أسفل شق الباب إلى داخل البيت. بداية ظننته إنذار إخلاء، لكن حين فتحته وجدت مبلغاً نقدياً، وداخل الظرف وجدت ورقة كتب عليها: (أخوك جابر عثرات الكرام.. مال حلال.. أجرة شهرين للبيت، والباقي مصروف.. وإذا الله يسرها عليك بالمستقبل ساعدي كريم جار عليه الزمن)».

‏تقول ولاء: «الكلمات هزتني أكثر من المال نفسه، وضع في عنقي أمانة لا تلزمني برده له، بل بنقله لشخص آخر إذا فرجت عليّ وتحسنت أموري. في زمن صار فيه حتى رغيف الخبز مشكلة، يأتي شخص مثل هذا ليعيد احترامك لنفسك».

‏سعاد وولاء ليستا الحالتين الوحيدتين؛ فقد رصدت شبكة #الراصد قبل 5 سنوات روايات في أرياف السويداء وأحيائها، تتبع كلها ذات النهج: ظرف، أو صندوق مؤن، أو أدوية، أو حطب، وكلمات قليلة تؤكد أن المال “حلال وعرق جبين”، والتوقيع واحد: “جابر عثرات الكرام”.

‏في الوقت الذي يعاني فيه الأهالي ضغوطاً اقتصادية خانقة، تبدو هذه المبادرات الفردية الصامتة كطوق نجاة معنوي قبل أن يكون مادياً، فهي تؤكد أن مجتمع السويداء، رغم كل ما أصابه من فقر وحرب وتعب، لا يزال يحمل في طياته رجالاً يدركون أن أعظم الإحسان هو ذاك الذي يترك الرزق ويمضي قبل أن يراه أحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى